دستورية نص المادة (66) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981 – حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية

دستورية نص المادة (66) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981

المحكمة الدستورية العليا المصرية

قضية رقم 17 لسنة 26 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”
مبادئ الحكم: حق العمل – حرية التعاقد – تنظيم الحقوق – مبدأ المساواة
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد 15 من ابريل سنة 2007 م، الموافق 27 ربيع الأول سنة 1428 هـ
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد
رئيس المحكمة
والسادة المستشارين/ ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح والدكتور حنفي علي جبالي وماهر سامي يوسف وسعيد مرعى عمرو
أعضاء
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما
رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن
أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم17 لسنة 26 قضائية “دستورية”.
المقامة من
السيد/ …
ضد
1- السيد/ رئيس الجمهورية
2- السيد/ رئيس مجلس الوزراء
3- السيد/ وزير قطاع الأعمال العام
4- السيد/ وزير القوى العاملة والهجرة
5- السيد/ رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة الشرقية للدخان والسجائر

الإجراءات
بتاريخ الحادي والعشرين من يناير سنة 2004، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى، قلم كتاب المحكمة، بطلب الحكم بعدم دستورية نص المادة (66) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981، فيما انطوى عليه من قصر حق العامل المفصول في المطالبة بالتعويض فقط، إن كان له مبرر، دون المطالبة بإلغاء قرار الفصل. وكذا عدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة (44) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى، وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان من العاملين بالشركة الشرقية للدخان والسجائر، وهي من شركات قطاع الأعمال العام التابعة لإحدى الشركات القابضة، وبتاريخ 19/5/1999 أصدر رئيس مجلس إدارة تلك الشركة قرارا بفصله من الخدمة، فأقام الدعويين رقمي 45 لسنة 1999، 40 لسنة 2000 مدني كلي عمال، أمام محكمة الجيزة الابتدائية، طعنا على هذا القرار، بطلب الحكم أولا: بإلغاء هذا القرار، وإعادته إلى عمله، وتعويضه عن الأضرار التي لحقته من جراء هذا القرار، ثانيا: بإلزام الشركة بأن تؤدي له مبلغ 30.000 جنيه مكافأة نهاية الخدمة، والمقابل النقدي لرصيد الأجازات، ومقابل مهلة الإخطار، وقيمة الأرباح والحوافز. وبعد أن ضمت المحكمة الدعويين، للارتباط بينهما، قضت بإلزام الشركة بأن تؤدي للمدعي مبلغ 2.599 جنيه مقابل أرباح وحوافز، ورفض ما عدا ذلك من طلبات.

فاستأنف كل من المدعى والشركة المدعى عليها هذا الحكم، أمام محكمة استئناف القاهرة، التي ضمت الاستئنافين، ليصدر فيهما حكم واحد، وأثناء نظرهما قدم المدعى مذكرة، ضمنها دفعا بعدم دستورية كل من نص المادة (66) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981، فيما تضمنه من قصر حق العامل المفصول في المطالبة بالتعويض فحسب، إن كان له مقتضى، دون المطالبة بإلغاء قرار الفصل، ونص الفقرة الأخيرة من المادة (44) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991. وبعد أن قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعي برفع دعواه الدستورية، أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إن المادة (66) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981، تنص على أن “للعامل الذي يفصل من العمل، بغير مبرر، أن يطلب وقف تنفيذ هذا الفصل، ويقدم الطلب إلى الجهة الإدارية المختصة…، وتتخذ هذه الجهة الإجراءات اللازمة لتسوية النزاع وديا، فإذا لم تتم التسوية تعين عليها أن تحيل الطلب… إلى قاضي الأمور المستعجلة بالمحكمة التي يقع بدائرتها محل العمل، أو قاضي المحكمة الجزئية المختص بشئون العمل، بوصفه قاضيا للأمور المستعجلة في المدن التي أنشئت أو تنشأ بها هذه المحاكم…

وعلى القاضي أن يفصل في طلب وقف التنفيذ، في مدة لا تجاوز أسبوعين من تاريخ أول جلسة، ويكون حكمه نهائيا، فإذا أمر بوقف التنفيذ ألزم صاحب العمل، في الوقت ذاته، أن يؤدي إلى العامل مبلغا يعادل أجره من تاريخ فصله، وعلى القاضي أن يحيل القضية إلى المحكمة المختصة، التي يقع في دائرتها محل العمل، أو المحكمة المختصة لنظر شئون العمال، في المدن التي توجد بها هذه المحاكم، وعلى هذه المحكمة أن تفصل في الموضوع بالتعويض إذا كان له محل، وذلك على وجه السرعة، خلال مدة لا تجاوز شهرا من تاريخ أول جلسة، وإذا لم يتم الفصل في الدعوى الموضوعية، خلال المدة المنصوص عليها في الفقرة السابقة، جاز لصاحب العمل، بدلا من صرف أجر العمل، أن يودع مبلغا يعادل الأجر خزانة المحكمة، حتى يفصل في الدعوى”. وتنص المادة (44) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991- المطعون على فقرتها الأخيرة – على ما يلي: “تسري في شأن واجبات العاملين بالشركات القابضة والتحقيق معهم وتأديبهم أحكام المواد 78 و79 و80 و81 و82 و83 و85 و86 و87 و91 و92 و93 من قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978 وأحكام القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية وأحكام قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972.

وتختص المحاكم التأديبية بمجلس الدولة، دون غيرها، بالنسبة للعاملين في الشركات المشار إليها في الفقرة السابقة، بما يلي:
(أ) توقيع جزاء الإحالة إلى المعاش أو الفصل من الشركة بعد العرض على اللجنة الثلاثية.

(ب) الفصل في التظلمات من القرارات التأديبية الصادرة من السلطات الرئاسية أو المجالس التأديبية المختصة بالشركة.
ويكون الطعن في أحكام المحاكم التأديبية الصادرة بتوقيع الجزاء أو في الطعون في القرارات التأديبية أمام المحكمة الإدارية العليا.
وتسري في شأن واجبات العاملين بالشركات التابعة والتحقيق معهم وتأديبهم أحكام الفصل الخامس من الباب الثالث من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981″.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية، لازما للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام قاضى الموضوع – فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة. بما مؤداه أنه لا يكفي لقبولها أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفا في ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعى – قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها الدستور، على نحو ألحق به ضررا مباشرا.

متى كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي – في الخصومة الماثلة – يدور حول حق المدعي في طلب إلغاء قرار فصله من الشركة المدعى عليها، وهي إحدى شركات قطاع الأعمال العام التابعة لشركة قابضة، وليس فقط تعويضه عن الأضرار التي لحقته من جراء هذا القرار. وباستقراء مناعي المدعي في الدعوى الدستورية مبتغيا، أن تفصل المحكمة التأديبية بمجلس الدولة – لا المحكمة العمالية – في طلبه هذا، لما يحقق له ذلك من ضمانات، ومن ثم فإن مصلحته الشخصية المباشرة تتحدد بما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة (44) من قانون شركات قطاع الأعمال العام المشار إليه، من سريان أحكام الفصل الخامس من الباب الثالث من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981 في شأن واجبات العاملين بالشركات التابعة والتحقيق معهم وتأديبهم، والذي يضم نص المادة (66)، الذي يقصر حق العامل المفصول على طلب التعويض. وبهما فقط يتحدد نطاق الدعوى الماثلة، ولا يتعداه إلى ما ورد بهما من أحكام أخرى.

وحيث إن المدعي ينعى على النصين المطعون عليهما – في النطاق المحدد سلفا – مخالفتهما لنصوص المواد 8، 13، 40، 68 من الدستور، بقصرهما رقابة القضاء على قرار فصل العامل على التعويض دون الإلغاء، بما يعتبر تحصينا لهذا القرار، وإهدارا لحق العمل، فضلا عن إخلاله بمبدأ المساواة، إذ فرق بين العاملين بالشركات القابضة، ونظرائهم من العاملين بالشركات التابعة لها، في مجال التحقيق معهم وتأديبهم، رغم تماثلهم في المركز القانوني، إذ أخضع الفئة الأولى لأحكام قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978، وأحكام القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية، وأحكام قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972، بما تحويه هذه الأحكام من ضمانات لهذه الفئة، في حين أخضع الفئة الثانية لأحكام قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981، التي يفتقر المخاطبون بها إلى هذه الضمانات.

وحيث إن الدستور نص في المادة (13) منه على اعتبار العمل حقا. وكانت الحقوق جميعها – ويندرج تحتها حق العمل- لا تنشأ إلا بتوافر متطلباتها، ذلك أن الشروط التي يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق، تعتبر من عناصره. بها ينهض سويا على قدميه، ولا يتصور وجوده بدونها، ولا أن يكتمل كيانه في غيبتها. ومن ثم لا تنعزل هذه الشروط عن الحق الذي نشأ مرتبطا بها، مكتملا وجودا بتحققها، ليكون العمل محققا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية جوهر أسبابها. فلا يجوز للسلطة التشريعية – في مجال تنظيم حق العمل – أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئا لإهدار حقوق تتفرع من حق العمل، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، وإلا كان ذلك نكولا عن الحدود المنطقية التي ينبغي وفقا للدستور أن تكون إطارا لحق العمل، واستتارا بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور، وهي فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، فإنها كذلك وثيقة الصلة بحرية العمل، وذلك بالنظر إلى الحقوق التي يرتبها عقد العمل فيما بين أطرافه، أيا كان العامل أو صاحب العمل. بيد أن هذه الحرية – التي لا يكفلها انسيابها دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها – لا تعطلها تلك القيود التي تفرضها السلطة التشريعية عليها بما يحول دون انفلاتها من كوابحها.

ويندرج تحتها أن يكون تنظيمها لأنواع من العقود محددا بقواعد آمرة، تحيط ببعض جوانبها، غير أن هذه القيود لا يسعها أن تدهم الدائرة التي تباشر فيها الإرادة حركتها، فلا يكون لسلطانها بعد هدمها من أثر.

وحيث إن التنظيم التشريعي، في مجال واجبات العاملين بالشركات التابعة، والتحقيق معهم وتأديبهم، المطعون عليه لا ينال من حق العمل، ولا من قدره، ولا من الشروط التي يرتبط عقلا بها، ولا يحيط بيئة العمل، بأوضاع ترهقها، وإنما وضع قدرا من التوازن والتوازي بين حق كل من العامل وصاحب العمل، بأن أنشأ حقوقا والتزامات متوازية ومتوازنة لكل منهما، فلا تتنافر فيما بينهما بل تتكامل، ليصبح لكل عمل حقوقه وواجباته، فلا تقابل مزاياه بغير مسئولياته، ولا يكون وصفها وترتيبها منفصلا عن متطلباتها التي تكفل للمنشأة العمالية حيويتها، واطراد تقدمها، وتحقيق أهدافها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير، فلا تتعثر أعمال هذه المنشأة، أو تثقل بقيود ترهقها، أو تزيد من نفقاتها، بل يكون اتساقها، وتنظيم العمل بها، وترتيبه محققا أهدافها بصورة ملائمة مع خفض نفقاتها.

وإذا كانت حرية العمل تستتبع أن يكون لكل فرد ألا يعمل، أو أن يعمل متى شاء، وأينما شاء، وله كذلك أن يترك عمله أو ينتقل منه إلى عمل آخر، فإن هذه الحرية ذاتها تعطي لصاحب العمل، على مشروعه، سلطات وحقوق باعتباره مالكه والمسئول عن إدارته الذي يجني ثمار ازدهاره، ويتحمل نتيجة فشله، ولا معقب على تقديره، إذا رأى إنهاء عقد العمل عندما يتوافر لديه “مبرر جدي” أو مصلحة مشروعة، ولا قيد عليه في هذا الشأن سوى التزامه بعدم التعسف في استعمال هذا الحق، وإلا كان ملتزما بالتعويض لتعذر التنفيذ العيني، بإعادة العامل إلى عمله، إذا ما حكم بذلك. وهذا ما نحا إليه التنظيم التشريعي، المطعون فيه، مستعيرا تلك المبادئ، لتطبيقها على العاملين بالشركات التابعة للشركات القابضة التي تعمل في نطاق تخصصها، إذ أن علاقة هؤلاء العاملين بتلك الشركات من ذات طبيعة العلاقة التي ينظمها قانون عقد العمل المشار إليه. ومن ثم فإن إدعاء مخالفته لنص المادة (13) من الدستور، يكون في غير محله.

وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق – ومن بينها حق التقاضي- أنها سلطة تقديرية، جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة، التي تتصل بالموضوع محل التنظيم، لاختيار أنسبها لفحواه، وأحراها بتحقيق الأغراض التي يتوخاها، وأكفلها للوفاء بأكثر المصالح وزنا. وليس ثمة قيد على مباشرة المشرع لسلطته هذه، إلا أن يكون الدستور قد فرض في شأن ممارستها ضوابط محددة، تعتبر تخوما لها ينبغي التزامها.

وحيث إن هذا التنظيم – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لا يتقيد بأشكال جامدة، لا يريم المشرع عنها، تفرغ قوالبها في صورة صماء لا تبديل فيها، بل يجوز أن يغاير فيما بينها، وأن يقدر لكل حال ما يناسبها، على ضوء مفاهيم متطورة تقتضيها الأوضاع التي يباشر هذا الحق عملا في نطاقها، وبما لا يصل إلى حد إهداره، ليظل هذا التنظيم مرنا، فلا يكون إفراطا يطلق الخصومة القضائية من عقالها، انحرافا بها عن أهدافها، ولا تفريطا مجافيا لمتطلباتها، بل بين هذين الأمرين قواما، التزاما بمقاصدها، باعتبارها شكلا للحماية القضائية للحق في صورتها الأكثر اعتدالا.

لما كان ذلك، وكان التنظيم التشريعي الذي وضعه النصان المطعون عليهما، لملاحقة قرار فصل العامل، والذي ينطبق على العاملين في الشركة التابعة، أنه قد راعى طبيعة تلك الخصومة، باعتبارها قائمة بين طرفين – العامل وصاحب العمل – تربطهما علاقة عمل تحكمها أسس معينة، أهمها أن فسخ هذه العلاقة يقع عادة بإرادة أحد طرفيها، كأن يرفض صاحب العمل استمرار العامل في العمل لديه، أو ينقطع العامل عن العمل، ليلتحق بعمل آخر، ومن ثم تنفصم عرى علاقة العمل بينهما، دون تدخل من القضاء. فإذا رضي العاقد الآخر بهذا الإجراء، وقع الفسخ، في الحقيقة، بتراضي العاقدين فأضحى تفاسخا، وإلا احتكم إلى القضاء مطالبا غريمه “بالتعويض” عن إنهاء العقد قبل حلول أجله، إذا كان محدد المدة، أو التعسف في إنهائه، إذا كان غير محدد المدة.

وما ذلك إلا استصحابا لحرية التعاقد، التي تعتبر أصلا يهيمن على عقود القانون الخاص، وضمانا لتحقيق الترضية القضائية بالكيفية التي تتفق وطبيعة تلك العلاقة، فيكون التعويض عن قرار الفصل هو غاية تلك الترضية، لاستحالة التنفيذ العيني في حالة الإلغاء. وإذ كان التنظيم المطعون عليه، لا يحول بذلك بين المدعي وبين اختصام قرار فصله، في صورة طلب التعويض عما لحقه من أضرار من جرائه، ولا يعطل حقه في النفاذ إلى قاضيه الطبيعي، فإنه يكون في إطاره المنطقي، ولا مجافاة فيه لحق التقاضي، ذلك أن ما يقدره المشرع – وفق أسس موضوعية – كافلا لحسن سير التقاضي، يكون حريا بالإتباع. ومن ثم فإن إدعاء مخالفته لنص المادة (68) من الدستور، يكون لغوا.

وحيث إن الإخلال بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون المنصوص عليه في المادة (40) من الدستور، يفترض أن يكون المشرع قد تدخل من خلال النصوص القانونية التي أحدثها، ليعدل بها من الحقوق التي أنشأتها مراكز قانونية تتحد في العناصر التي تقوم عليها. ذلك أن وحدة المراكز القانونية تفترض تماثل مكوناتها، وبقدر ما بينها من تغاير، تفقد هذه المراكز تعادلها، فلا تجمعها تلك الوحدة التي تقتضي تساويها في الآثار التي ترتبها. وبالتالي كان من الجائز أن تغاير السلطة التشريعية – ووفقا لمقاييس منطقية – بين مراكز لا تتحد معطياتها، أو تتباين فيما بينها في الأسس التي تقوم عليها، باعتبار أن النصوص القانونية وسائل ينتقيها المشرع، لينظم بها موضوعا محددا، وبقدر اتصال هذه النصوص بأهدافها وارتباطها عقلا بها، بقدر ما يكون التمييز المقرر بها موافقا للدستور. فإذا كان التمييز المقارن لها، متضمنا – دون مسوغ – تفريقا أو تقييدا أو استبعادا منبئا عن التحكم، فإن هذا التمييز يكون تشهيا، مناقضا لنص المادة (40) من الدستور.

وحيث إنه لما كان ذلك، وكان البين من نص المادة (44) من قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991، أن العاملين بالشركات التي ينطبق عليها هذا القانون، يخضعون – بالنسبة إلى الأحكام التي تطبق بشأن واجباتهم والتحقيق معهم، وتأديبهم – لنظامين متباينين: الأول يسري على العاملين بالشركات القابضة، وبمقتضاه تطبق عليهم بعض أحكام قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978، وأحكام القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية،

وأحكام قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972، وتختص المحاكم التأديبية بتأديب هؤلاء العاملين. والثاني يسري على العاملين بالشركات التابعة للشركات القابضة، حيث تطبق عليهم أحكام الفصل الخامس من الباب الثالث من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981. وهذا التمييز بين هاتين الفئتين في نظام تأديبها، إنما استند إلى ما بينهما من تفاوت في بعض عناصر المركز القانوني، إذ يبين من تقصي تطور التنظيم التشريعي للشركات القابضة، أنها كانت في الأصل مؤسسات عامة، ثم تحولت، منذ عهد القانون رقم 97 لسنة 1983، إلى هيئات عامة؛ أي أن العاملين بها ظلوا موظفين عموميين، منذ القانون رقم 32 لسنة 1957 بإنشاء المؤسسات العامة، إلى قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 المشار إليه، فكان منطقيا أن يراعي المشرع ذلك، وأن يخضعهم، سواء من حيث الاختصاص القضائي، أو من حيث إجراءات المنازعة وموضوعها لقانون مجلس الدولة ومحاكمه، شأنهم في ذلك شأن أقرانهم من الموظفين العموميين، فضلا عن غيرها من عناصر المركز القانوني، مما يعدو معه النعي بمخالفة المادة (40) من الدستور منتحلا.

وحيث إن النصين المطعون عليهما – في النطاق المحدد – لم يخالفا أي حكم آخر من أحكام الدستور.

فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

شارك المقالة

1 تعليق

  1. حسن احمدشرف محمد

    4 نوفمبر، 2019 at 2:16 ص

    أرجو توضيح للمادة ٦٦ مكررقامون للعاملين بالقطاع المدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني.